الشيخ الطوسي
18
تمهيد الأصول في علم الكلام
ان كل واحد منهم اسود وأقول في جمعهم انهم بيض كان مناقضا كما لو قال في واحد بعينيه انه اسود ابيض واما المناقضة من حيث المعنى فهو أنه قال الجسم قديم وذلك يقتضى وجوده في الأزل وقد سلّم انه لا يخلوا من المعنى فثبت بذلك ان فيما لم يزل فيه معنى " والمعنى الموجود فيما لم يزل لا يكون محدثا فمع هذه المحاسبة لابدّ له من الرجوع في احدى الدعويين اما ان يقول فيما لم يزل كان خاليا " من المعاني أو يقول كان فيه معنى قديم وكلاهما قد دللنا على فساده فبطل ما قاله على أنه قد افسد وجود ما لا نهاية له من الحوادث بأدلة . منها ان الحوادث لابد لها من محدث ومن شأن محدثها ان يكون متقدما لها وما لا أول له لا يمكن ان يتقدم غيره عليه . ومنها انه لو كان الامر على ما قالوه لوجب الا يصح وجود شيئى من الحوادث لأنه لا حادث الا ومن شرطه وجود حوادث لا نهاية لها قبله وذلك يؤدّى إلى الّا يصح وجود شيئى منها الا ترى ان القايل لو قال انا لا آكل تفاحة " الّا بعد ان اكل قبلها أخرى لم يصح منه اكل شيئى منها ومتى اكل شيئا منها كان مناقضا ولا فرق في ذلك بين ان يكون مستقبلا " أو ماضيا الا ترى انه لو قال انا ما اكلت تفاحة " الّا واكلت قبلها أخرى فإنه يعلم بطلان قوله كما لو قال ذلك مستقبلا " فان قيل فرق بين الماضي « 1 » والاستقبال فلأجل هذا « 2 » احلتم وجود ما لا نهاية له من الحوادث ماضيا وأوجبتم وجود ما لا نهاية له مستقبلا من نعيم أهل الجنة وعقاب الكفار . قيل لا فرق بين الماضي والمستقبل في ان ما يوجد منه لابد من أن يكون متناهيا ومعنا قولنا ان ثواب أهل الجنة وعقاب الكفار لا يتناهى هو انه لا ينتهى إلى حد ينقطع بل لا حال الّا واللّه تعالى يجدد لهم حالا بعد حال ولم نرد انّه يخرج إلى الوجود ما لا نهاية له فان قيل إن الجسم لا يخلوا من الأكوان ومع هذا لا يكون كونا " فهلّا جاز الّا يخلوا من المحدث ولا يكون محدثا . قلنا نحن انما أوجبنا ان يكون الجسم متى كان موجودا غير خال من الحوادث ان يكون محدثا لان حكمه حكمه في الوجود ولا يلزم ان يكون حكمه حكمه في ساير أوصافه وقولنا جسم وكون معناه ان كل واحد منهما من قبيل مخصوص وليس إذا كان أحدهما من قبيل يحب ان يكون الاخر من ذلك القبيل الا ترى انه ان قيل زيد وعمرو ولدا معا " وجب ان يكون مقدار سنّهما واحدا " فلا يلزم إذا كان أحدهما عربيا ان يكون الاخر كذلك بل لا يمتنع « 3 » ان يكون نبطيا وان كان وافقه في السنين « 4 » فعلم بذلك بطلان ما توهموه
--> ( 1 ) 66 و 88 د . الماضي . استانه . المضي . ( 2 ) استانه . فلهذا - 66 دو نسخه بدل استانه . فلأجل هنا - 88 د - ( فلأجل هذا ) را آخر آورده است . ( 3 ) 66 د . لا تمتنع ذ خ كذا ( 4 ) استانه . في السنين . 88 و 66 د . في السن .